محمد بن علي الشوكاني

457

البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع

لذلك منهم فضلا عن أن يتجرّد عليهم ويلومهم . ولقد أخبرني أنه خرج يوما مع جنازة وقت الغداء وما رجع إلا قبل الظهر فظن أهله أنه قد تغذّى لأنه كان كثير الضيافات عند معارفه فوصل إلى مكانه واستمر جالسا إلى وقت العشاء لم يطلب منهم شيئا ، ومثل هذا عجيب وأخبرني أنه دخل ليلة منزله ووقف في المكان الذي يأوي إليه ولم يشعر أهله بذلك فبقي إلى مقدار نصف الليل في ظلمة بلا مصباح ولا قهوة ولا غير ذلك مما يحتاج إليه في السّمر مع أنه كان محبا للسمر ، وإذا كانت هذه معاملته لأهله فما ظنّك بمعاملته لغيرهم [ 193 ] ولا أعلم أنه غضب قطّ أو خاصم في شيء منذ عرفته إلى أن مات . وليس له نظير في حفظ الأشعار لأهل الجاهلية والإسلام وحفظ الأخبار التي لا يدري بشيء منها غالب أهل العصر ومع هذا فإنه يحضر مواقف الاجتماع فيتحدث متحدّث بخبر من الأخبار فيزيد وينقص ويغلط ويصحّف ويحرّف وهو مصغ إليه مقبل عليه كأنه لا يعرف من ذلك شيئا فإذا فرغ ذلك المتحدّث من حديثه استحسنه صاحب الترجمة وسكت ولا يستدرك عليه في شيء مع أنه يعلم بتفصيل [ 62 ب ] ذلك الخبر وصحيحه وفاسده ، اللهم إلا أن يسأله سائل عن تلك الحكاية أو يسترشد منه الحاكي فإنه حينئذ يمليها بعبارة عذبة ويصوغها بألفاظ فصيحة ، وإذا كانت مشتملة على شيء من الشعر ذكره لا يغادر منه شيئا حتى يخجل حاكي تلك القضية ويندم على إقدامه وهكذا إذا روى أحد من هو بحضرته شيئا من الشعر أصغى إليه وقد لا يدري ذلك الراوي لمن الشّعر وقد يصحّف في بعضه وقد لا يحفظ إلا شيئا يسيرا من القصيدة وصاحب الترجمة ساكت لا يتكلم فإذا سأله سائل عن ذلك روى تلك القصيدة من أولها إلى آخرها وذكر السبب الذي قيلت لأجله وترجم لقائلها ترجمة لا يدع من أحواله شيئا ، وقلّ أن يجري بحضرته شيء لا يعرفه . وهو قليل التكلّف مائل إلى الخمول ليس له رغبة في الظهور ولا يتكلم في مسألة إلا وهو على قدم راسخة وإلا رجع إلى البحث بل كثيرا ما يرجع إلى البحث ، وإن كان يعلم بالمسألة فإني سمعت منه صحيح البخاريّ من أوله إلى آخره بلا فوت فكانت تعرض مباحثات حال القراءة فيسمع السؤال ثم